المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : دروس من السيرة - ( 1 ) - مقدمة - dr ghaith


أبويحيى
28-01-2007, 07:58 AM
:LLL:
[السلام]

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ،سيدنا محمد بن عبد الله ،وعلى أله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ....وبعد...

حياكم الله إخوانى وأخواتى فى الله ....

*مما لا ُيمارى فيه أننا فى أشد الحاجة لمعرفة المنهاج النبوى فى تربية الأمة وإقامة الدولة ،ومعرفة سنن الله فى الشعوب والأمم والدول ، وكيف تعامل معها رسول الله عندما إنطلق بدعوة الله فى دنيا الناس حتى نلتمس من هديه _صلى الله عليه وسلم_الطريق الصحيح فى دعوتنا والتمكين لديننا ، ونقيم بنياننا على منهجية سليمة مستمدة أصولها وفروعها من كتاب ربنا وسنة نبينا المصطفى ....قال الله {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }الأحزاب21.....


*فقد كان فقه رسول الله فى تربية الأمة وإقامة الدولة شاملاً ومتكاملاً ومتوازناً وخاضعاً لسنن الله فى المجتمعات وإحياء الشعوب وبناء الدول ....فتعامل رسول الله مع هذه السنن فى غاية الحكمة وقمة الذكاء ""كسنة التدرج،والإبتلاء ،والأخذ بالأسباب ، وتغيير النفوس ".....وغرس رسول الله فى نفوس أصحابه الكرام المنهج الربانى وما يجمله من مفاهيم وقيم وعقائد وتصورات صحيحة عن الله ، والإنسان ،والكون ،والحياة والجنة والنار ،والقضاء والقدر ......وكان الصحابة الكرام يتأثرون بمنهجه غاية التأثر ويحرصون على الإلتزام بتعاليمه وتوجيهاته أيما حرص فسادوا الأمم وفتحوا البلاد ونشروا دين الله وصار للإسلام دولة وحضارة لم يعرفها التاريخ من قبل ولا بعد ......


*وهذه محاولة من عبد فقير إلى الله فى إلقاء الضوء على :: كيفية بناء رسول الله لصحابته فى "العهد المكى"

فنتحدث عن الركائز والخطوط العريضة لهذا البناء وتلك التربية بعون الله وحده.....

السيرة النبوية ((المرحلة المكية))!!!!

**دار الأرقم بن أبى الأرقم !!!!

*كانت دار الأرقم بن أبى الأرقم أعظم مدرسة للتربية والتعليم عرفتها البشرية ،كيف لا وأستاذها هو رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أستاذ البشرية كلها وتلاميذها هم الدعاة والهداة والقادة الربانيون الذين حرروا البشرية كلها من رق العبودية وأخرجوهم من الظلمات إلى النور ،بعد أن رباهم الله تعالى على عينه تربية غير مسبوقة
ولا ملحوقة.....


*المادة الدراسية فى دار الأرقم ::

_كانت المادة الدراسية التى قام بتدريسها النبى _صلى الله عليه وسلم_فى دار الأرقم هى (((القرأن الكريم)))
فهو مصدر التلقى الوحيد ،فقد حرص الحبيب المصطفى على توحيد مصدر التلقى وتفرده ،وأن يكون القرأن
الكريم وحده هو ""المنهج والفكرة المركزية التى يتربى عليها الفرد المسلم والأسرة المسلمة والجماعة المسلمة"

_وكان روح القدس ينزل بالأيات غضة طرية على رسول الله فيسمعها الصحابة من فم رسول الله مباشرة ،فتسكب فى قلوبهم ،وتتسرب فى أرواحهم ،وتجرى فى عروقهم مجرى الدم ،وكانت قلوبهم وأرواحهم تتفاعل مع القرأن وتنفعل به ،فيتحول الواحد منهم إلى إنسان جديد، بقيمه ومشاعره،وأهدافه وسلوكه وتطلعاته ....لقد حرص الرسول الكريم حرصاً شديداً على أن يكون القرأن الكريم وحده هو المادة الدراسية والمنهج الذى تتربى عليه نفوس أصحابه .....

_لقد تلقى الرعيل الأول القرأن الكريم بجدية ووعى وحرص شديد على فهم توجيهاته، والعمل بها بدقة تامة، فكانوا يلتمسون من أياته ما يوجههم فى كل شأن من شؤون حياتهم الواقعية والمستقبلية.....


**الأسباب فى إختيار دار الأرقم :::

_كان إختيار دار الأرقم لعدة أسباب :::

1_أن "الأرقم " _رضى الله عنه_ لم يكن معروفاً بإسلامه ،فما كان يخطر ببال أحد أن يتم لقاء سيدنا محمد_صلى الله عليه وسلم_ وأصحابه الكرام بداره....

2_أن "الأرقم"_رضى الله عنه_ من بنى مخزوم ......وقبيلة "بنى مخزوم " هى التى تحمل لواء التنافس والحرب ضد بنى هاشم .....فلو كان الأرقم معروفاً بإسلامه فلا يخطر فى البال أن يكون اللقاء فى داره لأن هذا يعنى أنه يتم فى قلب صفوف العدو.....

3_أن سيدنا "الأرقم" كان فتى عند إسلامه ...فلقد كان فى حدود "السادسة عشرة من عمره" ويوم تفكر قريش فى البحث عن مركز التجمع الإسلامى ،فلن يخطر ببالها أن تبحث فى بيوت الفتيان الصغار من أصحاب سيدنا محمد_صلى الله عليه وسلم_ بل يتجه نظرها وبحثها إلى بيوت كبار الصحابة أو بيت النبى عليه الصلاة والسلام.


**أهم خصائص الجماعة الأولى التى تربت على يدى رسول الله _عليه الصلاة والسلام_:::

_كانت الجماعة الأولى التى تربت على يدى رسول الله قد برزت فيها خصائص مهمة جعلتها تتقدم بخطوات ثابتة رصينة نحو صياغة الشخصية المسلمة التى تقيم الدولة المؤمنة ...فمن أبرز هذه الخصائص::

_أولاً ::الإستجابة الكاملة للوحى ،وعدم التقديم بين يديه :::

_لقد كان الصحابة _رضى الله عنهم_ أعظم من غيرهم انتفاعاً بالدليل والوحى وتسليماً له لأسباب عديدة منها::

1_نزاهة قلوبهم وخلوها من كل ميل وهوى غير ما جاءت به النصوص واستعدادها التام لقبول ما جاء عن الله ورسوله والإذعان والإنقياد له إنقياداً مطلقاً دون حرج ولا تردد ولا إحجام....

2_معاصرتهم لوقت التشريع ونزول الوحى ،ومصاحبتهم للرسول الكريم ولذلك كانوا أعلم الناس بملابسات الأحوال التى نزلت النصوص فيها ،والعلم بملابسات الواقعة او النص من أعظم أسباب فقهه وفهمه وإدراك مغزاه....

3_وكانت النصوص _قرأناً وسنة_ تأتى فى كثير من الأحيان لأسباب تتعلق بهم_بصورة فردية أو جماعية_ فتخاطبهم خطاباً مباشراً ،وتؤثر فيهم أعظم التأثير لأنها تعالج أحداثاً واقعية وتعقب فى حينها حيث تكون النفوس مشحونة بأسباب التأثر متهيئة لتلقى الأمر والإستجابة له .....

_فكانوا كما قال حبر الأمة عنهم _((كانوا إذا سمعوا أحداً يقول ::قال رسول الله ابتدرته أبصارهم))....


ثانياً ::التأثر الوجدانى العميق بالوحى والإيمان ::...

_كان الصحابة الكرام يتعاملون مع العلم الصحيح ليس كحقائق علمية مجردة يتعامل معها العقل فحسب دون أن يكون لها علاقة بالقلب والجوارح ......فقد أورثهم العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله ::أورثهم محبته تعالى والتأله إليه ،والشوق إلى لقائه ، والتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم فى جنات عدن ، وأورثهم تعظيمه ، والخوف منه ، والحذر من بأسه وعقابه، وبطشه ونقمته......وأورثهم ::رجاء ما عنده ، والطمع فى جنته ورضوانه ، وحسن الظن به ، فإكتملت لديهم بذلك أثار العلم بالله والإيمان به ، وهذه المعانى الوجدانية هى ""المقصود الأعظم فى تحصيل العلم""....وإذا فقدت ""فلا ينفع مع فقدها علم بل هو ضرر فى العاجل والأجل"".....

_وكان الصحابة فرساناً بالنهار ورهباناً بالليل ، لا يمنعهم علمهم وإيمانهم وخشوعهم لله من القيام بشؤونهم الدنيوية ، من بيع وشراء ، وحرث ونكاح وقيام على الأهل والأولاد وغيرهم فيما يحتاجون ....


**من صفات الرعيل الأول ::..

*كانت الفترة الأولى من عمر الدعوة ،تعتمد على السرية ،وكان التخطيط النبوى دقيقاً ومنظماً ،وكان تخطيطاً محكماً فما كان اختيار رسول الله لدار "الأرقم" لمجرد اجتماع المسلمين فيها لسماع نصائح ومواعظ وإرشادات،
وإنما كانت مركزاً للقيادة ، ومدرسة للتعليم والتربية والإعداد والتأهيل للدعوة والقيادة .....وقام الرسول الكريم
المربى بتحديد لكل فرد من هؤلاء عمله بدقة وتنظيم حكيم ،اشترك فى ذلك الكل ، الكل يعرف دوره المنوط به
والكل يدرك طبيعة الدعوة والمرحلة التى تمر بها ....والكل ملتزم جانب الحيطة والحذر والإنضباط التام....


*كان بناء الجماعة المؤمنة فى الفترة المكية يتم بكل هدوء وتدرج وسرية ، وكان شعار هذه المرحلة هو توجيه
المولى _عزوجل_ المتمثل فى قوله تعالى {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً }الكهف28.....

_إن هذه الأيات الكريمة السابقة من سورة "الكهف" تصف لنا بعض صفات الجماعة المسلمة الأولى والتى من أهمها :::

*أولاً ::الصبر فى قوله تعالى {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ).....

_إن كلمة ""الصبر"" تتردد فى القرأن الكريم وفى أحاديث النبى المصطفى ويوصى بها بعضهم بعضاً ، وتبلغ
أهميتها أن تصير صفة من أربع للفئة الناجية من الخسران ...

قال تعالى(( وَالْعَصْرِ{1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ{2} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ{3} ))....

فحكم المولى عزوجل على جميع الناس بالخسران إلا من أتى بهذه الأمور الأربعة ::

1_الإيمان بالله 2_العمل الصالح

3_التواصى بالحق 4_التواصى بالصبر ....


*ثانياً ::كثرة الدعاء والإلحاح على الله ::

_وهذا يظهر فى قوله تعالى (((يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ)))....

*فالدعاء باب عظيم ، فإذا فتح للعبد تتابعت عليه الخيرات ، وانهالت عليه البركات ، فلا بد من تربية اأفراد الذين يعدون لحمل الرسالة وأداء الأمانة ، على حسن الصلة بالله وكثرة الدعاء لأن ذلك من أعظم وأقوى عوامل النصر......


*ثالثاً ::الإخلاص::

_وهذا يظهر فى قوله تعالى ((يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)).......فلا بد أن يتربى المسلم على أن تكون أقواله ، وأعماله ،وجهاده كله لوجه الله وابتغاء مرضاته ، وحسن مثوبته ، من غير نظر إلى مغنم ، أو جاه أو لقب ،أو تقدم،أو تأخر وحتى يصبح جندياً من أجل العقيدة والمنهج الربانى ولسان حاله قوله تعالى (((قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين)))......

_إن الإخلاص ::ركن من أركان قبول العمل .....ومعلوم أن العمل عند الله لا يقبل إلا بالإخلاص وتصحيح النية وبموافقته السنة والشرع الحنيف ........


*رابعاً::الثبات ::...

_وهذا يظهر فى قوله تعالى ((وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً))...

_وهذا الثبات المذكور فرع عن ثبات أعم ،ينبغى أن يتسم به الداعية الربانى ، قال الله تعالى ((({مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً }الأحزاب23....

*ففى الأيات الكريمة ::""ثلاث صفات :: 1_إيمان 2_رجولة 3_صدق.....

وهذه العناصر مهمة للثبات على المنهج الحق ، لأن (الإيمان) يبعث على التمسك بالقيم الرفيعة والتشبث بها،ويبعث على التضحية بالنفس ليبقى المبدأ الرفيع ....،( والرجولة) محركة للنفس نحو هذا الهدف غير مهتمة بالصغائر والصغار ، وإنما دائماً دافعة نحو الهدف الأسمى ، والمبدأ الرفيع ....(والصدق) يحول دون التحول أو
التغيير أو التبديل ، ومن ثم يورث هذا كله الثبات الذى لا يتلون معه الإنسان ، وإن رأى شعاع السيف على رقبته
،أو حبل المشنقة ينتظره ،أو رأى الدنيا يصيبها أو إمرأة ينكحها......

_ولا شك أن اللبنات التى تعد لحمل الدعوة وإقامة الدولة وصناعة الحضارة تحتاج إلى الثبات الذى يعين على تحقيق الأهداف السامية والقيم الرفيعة ......

_هذه من أهم الصفات التى اتصفت بها الجماعة المؤمنة الأولى......


والحمد لله رب العالمين ...

حامل المسك
29-01-2007, 12:56 PM
جزاكم الله كل خير

أم الشهيد
26-02-2007, 12:52 AM
جزاك الله خيرا اخي د/غيث موضوع بجد اكثر من رائع
وبجد انا اول مره اعرف االارقم بن ابي الارقم فهذا الموضوع اضاف لي الكثير ولله الحمد

فاللهم ارزقنا الصبر ع الشدائد
وارزقنا الاخلاص في العمل
واجعلنا ممن يستجاب دعاءهم
وثبت قلوبنا علي دينك ياكريم.