dr_Muslim
01-05-2007, 10:07 PM
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وأله وصحبه ومن والاه ثم أما بعد:
أما بعد: عباد الله، يقول ربي وأحق القول قول ربي :
وَذَكّرْ فَإِنَّ الذّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55]
وقال سبحانه وتعالى :
فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى [الأعلى:9، 10].
فهذه موعظه ، معروفة، لكننا ننشغل فننسى، فنحتاج إلى محطات نقف فيها مع أنفسنا، فأذكر نفسي المقصرة أولاً ثم أذكرك أخي المسلم.
أذكرك بصرعة الموت لنفسك، ونزعه لروحك، وكربه وسكراته، وغصصه وغمه
أذكرك يا أخي إذا جاءك ملك الموت، وما هول ذلك اللقاء يأتي ليس ليحدثك عما بدر منك ولا لكي يجالسك لن تمنعه الحواجز ولا الحراس ولن تستطيع ان توقفه مهما حاولت فالمهمه محدده وهو لا يعصي أمر الله جاء لجذب الروح من قدميك، ثم الاستمرار لجذب الروح من جميع بدنك، حتى إذا بلغ منك الكرْب والوجع منتهاه، وعمت الآلام جميع بدنك، وقلبك وجل محزون، منتظر إما البشرى من الله بالرضا، وإما بالغضب..
فبينما أنت في كربك وغمومك، وشدة حزنك لارتقابك إحدى البشريين، إذ سمعت صوته إما بما يسرك وإما بما يغمك.
فيا حسرة من يغم
ويا بشرى من يسر
وأذكرك ـ يا أخي
بنزولك القبر، وهول مطلعه، ومجيء الملكين منكر ونكير، وسؤالهما لك في القبر عن ثلاثة أسئلة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟.. تصور أصواتها عند ندائهما لك، لتجلس لسؤالهما لك، وتصور جلستك في ضيق قبرك، وقد سقط الكفن عن حقويك، والقطن من عينيك وأذنيك، ثم تخيّل شخوصك ببصرك إليهما، وتأملك لصورتيهما، فإن رأيتهما بأحسن صورة أيقن قلبك بالفوز والنجاة والسرور، وإن رأيتهما بأقبح صورة، أيقنت بالخسارة والهلاك ..
تفكـر في مشيبـك والمـآب ودفنك بعد عزك فـي التـراب
إذا وافيـت قبـراً أنت فيــه تقيم به إلـى يـوم الحسـاب
وفي أوصال جسمك حين تبقى مقطعــة ممـزقة الإهــاب
خلقـت من التراب فعدت حياً وعُلمت الفصيـح من الخطاب
وعدت إلى التراب فصرت فيـه كأنك ما خرجت من التـراب
أخي المسلم
كيف يكون شعورك، إذا ثبتك الله جل وعلا ونظرت إلى ما أعدّ الله لك، تصور فرحك وسرورك بما تعاينه من النعيم، وبهجة الملك، وإن كانت الأخرى، نسأل الله السلامة والعافية، فتصور ضد ذلك من انتهارك، ومعاينتك جهنم، وقولها لك: هذا منزلك ومصيرك، فيا لها من حسرة، ويا لها من ندامة، ويا لها من عثرة لا تُقال. ثم بعد ذلك الفناء والبِلى، حتى تنقطع الأوصال، وتتفتت العظام، حتى إذا تكاملت عدة الأموات، وقد بقى الجبار منفرداً بعظمته وجلاله وكبريائه، ثم لم يفاجأك إلا نداء المنادي للخلائق للعرض على الله جل وعلا: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق:41، 42].
عندها يأمر الله ملكاً أن ينادي أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.. تصور وقوع الصوت في سمعك ودعاءك للعرض على مالك الملك، فيطير فؤادك، ويشيب رأسك للنداء، لأنها صيحة واحـدة للعرض على الرب جل وعلا: فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ [النازعات:13، 14].
فبينما أنت في فزع من الصوت، إذ سمعت بانشقاق الأرض، فخرجت مغبراً من غبار قبرك قائماً على قدميك، شاخصاً ببصرك نحو النداء يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً [ق:44]، وقال تعالى: خُشَّعاً أَبْصَـارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ * مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [القمر:7، 8]. فتصور تعريك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وهمومك، في زحمة الخلائق، خاشعة أبصارهم، وأصواتهم ترهقهم ذلة وَخَشَعَتِ الاصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً [طه:108].
ثم تصور إقبال الوحوش من البراري، منكسة رؤوسها لهول يوم القيامة، فبعد توحشها من الخلائق، ذلت ليوم النشور وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير:5]، وتصور تكوير الشمس وتناثر النجوم وانشقاق السماء من فوق الخلائق، مع كثافة سمكها، والملائكة على حافـات ما يتفطـر من السماء، كما قال تعالى: وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا [الحاقة:16، 17]، وقال جل جلاله: فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدّهَانِ [الرحمن:37]، فتصور وقوفك منفرداً عرياناً حافياً، وقد أدنيت الشمس من رؤوس الخلائق، ولا ظل لأحد إلا ظل عرش رب العالمين، فبينما أنت على تلك الحال، اشتد الكرب، واشتد الوهج من حر الشمس، ثم ازدحمت الأمم، وتدافعت وتضايقت، واختلفت الأقدام، وانقطعت الأعناق من شدة العطش والخوف، وانضاف إلى حر الشمس كثرة الأنفاس وازدحام الأجسام، ولا نوم ولا راحة وفاض عرقهم إلى الأرض حتى استنقع ثم ارتفع إلى الأبدان، على قدر مراتبهم ومنازلهم عند ربهم، بالسعادة والشقاوة.. ثم جيء بجهنم تقاد، ولها سبعون ألف زمام، ومع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها وَجِىء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَـانُ وَأَنَّى لَهُ الذّكْرَى [الفجر:23]، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل، إلا جثا
على ركبته، يقول: يا رب نفسي نفسي
فتصور ذلك الموقف المهيل المفزع، الذي قد ملأ القلوب رعباً وخوفاً، وقلقاً وذعراً، يا له من موقف ومنظر مزعج..
وأنت أخي المسلم
بالتأكيد تكون أحدهم، فتوهم نفسك لكربك، وقد علاك العرق والفزع والناس معك منتظرون لفصل القضاء إلى دار السعادة أو إلى دار الشقاء، تصور هذه الخلائق وهم ينادون، كل واحد بنفسه يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـادِلُ عَن نَّفْسِهَا [النحل:111]، وقال سبحانه: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وَصَـاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ لِكُلّ امْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37].
تصور نفسك وحالتك عندما يتبرأ منك الولد والوالد، والأخ والصاحب، لما في ذلك اليوم من المزعجات والقلاقل، ولولا هول ذلك اليوم، ما كان من الكرم والمروءة، أن تفر من أمك وأبيك، وأخيك وبنيك، لكن عظم الخطر وشدة الكرب، اضطرك إلى ذلك إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَـارَى وَمَا هُم بِسُكَـارَى وَلَـكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1، 2].
فبينما أنت في تلك الحالة، مملوء رعباً، وقد بلغت القلوب الحناجر من شدة الأهوال، إذ ارتفع عنق من النار، يلتقط من أمر بأخذه، فينطوي عليهم، ويلقيهم في النار، فتبتلعهم.
ثم تصور الميزان وعظمته، وقد نصبت لوزن الأعمال، وتصور الكتب المتطايرة في الأيمان والشمائل، وقلبك مملوءً خوفاً، لا تدري أين يقع كتابك في يمينك أو في شمالك فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً [الانشقاق:7-12]، فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَـابيَهْ إِنّى ظَنَنتُ أَنّى مُلَـاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ [الحاقة:19-21]. وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يا
لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنّى مَالِيَهْ هَلَكَ عَنّى سُلْطَـانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ [الحاقة:25-32].
ماذا فعل؟ وما كان جرمه؟ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَـاهُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَـاطِئُونَ [الحاقة:33-37]
فيا لها من مواقف، ويا لها من أهوال.
يتبع باذن الله
أما بعد: عباد الله، يقول ربي وأحق القول قول ربي :
وَذَكّرْ فَإِنَّ الذّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55]
وقال سبحانه وتعالى :
فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى [الأعلى:9، 10].
فهذه موعظه ، معروفة، لكننا ننشغل فننسى، فنحتاج إلى محطات نقف فيها مع أنفسنا، فأذكر نفسي المقصرة أولاً ثم أذكرك أخي المسلم.
أذكرك بصرعة الموت لنفسك، ونزعه لروحك، وكربه وسكراته، وغصصه وغمه
أذكرك يا أخي إذا جاءك ملك الموت، وما هول ذلك اللقاء يأتي ليس ليحدثك عما بدر منك ولا لكي يجالسك لن تمنعه الحواجز ولا الحراس ولن تستطيع ان توقفه مهما حاولت فالمهمه محدده وهو لا يعصي أمر الله جاء لجذب الروح من قدميك، ثم الاستمرار لجذب الروح من جميع بدنك، حتى إذا بلغ منك الكرْب والوجع منتهاه، وعمت الآلام جميع بدنك، وقلبك وجل محزون، منتظر إما البشرى من الله بالرضا، وإما بالغضب..
فبينما أنت في كربك وغمومك، وشدة حزنك لارتقابك إحدى البشريين، إذ سمعت صوته إما بما يسرك وإما بما يغمك.
فيا حسرة من يغم
ويا بشرى من يسر
وأذكرك ـ يا أخي
بنزولك القبر، وهول مطلعه، ومجيء الملكين منكر ونكير، وسؤالهما لك في القبر عن ثلاثة أسئلة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟.. تصور أصواتها عند ندائهما لك، لتجلس لسؤالهما لك، وتصور جلستك في ضيق قبرك، وقد سقط الكفن عن حقويك، والقطن من عينيك وأذنيك، ثم تخيّل شخوصك ببصرك إليهما، وتأملك لصورتيهما، فإن رأيتهما بأحسن صورة أيقن قلبك بالفوز والنجاة والسرور، وإن رأيتهما بأقبح صورة، أيقنت بالخسارة والهلاك ..
تفكـر في مشيبـك والمـآب ودفنك بعد عزك فـي التـراب
إذا وافيـت قبـراً أنت فيــه تقيم به إلـى يـوم الحسـاب
وفي أوصال جسمك حين تبقى مقطعــة ممـزقة الإهــاب
خلقـت من التراب فعدت حياً وعُلمت الفصيـح من الخطاب
وعدت إلى التراب فصرت فيـه كأنك ما خرجت من التـراب
أخي المسلم
كيف يكون شعورك، إذا ثبتك الله جل وعلا ونظرت إلى ما أعدّ الله لك، تصور فرحك وسرورك بما تعاينه من النعيم، وبهجة الملك، وإن كانت الأخرى، نسأل الله السلامة والعافية، فتصور ضد ذلك من انتهارك، ومعاينتك جهنم، وقولها لك: هذا منزلك ومصيرك، فيا لها من حسرة، ويا لها من ندامة، ويا لها من عثرة لا تُقال. ثم بعد ذلك الفناء والبِلى، حتى تنقطع الأوصال، وتتفتت العظام، حتى إذا تكاملت عدة الأموات، وقد بقى الجبار منفرداً بعظمته وجلاله وكبريائه، ثم لم يفاجأك إلا نداء المنادي للخلائق للعرض على الله جل وعلا: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق:41، 42].
عندها يأمر الله ملكاً أن ينادي أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.. تصور وقوع الصوت في سمعك ودعاءك للعرض على مالك الملك، فيطير فؤادك، ويشيب رأسك للنداء، لأنها صيحة واحـدة للعرض على الرب جل وعلا: فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ [النازعات:13، 14].
فبينما أنت في فزع من الصوت، إذ سمعت بانشقاق الأرض، فخرجت مغبراً من غبار قبرك قائماً على قدميك، شاخصاً ببصرك نحو النداء يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً [ق:44]، وقال تعالى: خُشَّعاً أَبْصَـارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ * مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [القمر:7، 8]. فتصور تعريك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وهمومك، في زحمة الخلائق، خاشعة أبصارهم، وأصواتهم ترهقهم ذلة وَخَشَعَتِ الاصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً [طه:108].
ثم تصور إقبال الوحوش من البراري، منكسة رؤوسها لهول يوم القيامة، فبعد توحشها من الخلائق، ذلت ليوم النشور وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير:5]، وتصور تكوير الشمس وتناثر النجوم وانشقاق السماء من فوق الخلائق، مع كثافة سمكها، والملائكة على حافـات ما يتفطـر من السماء، كما قال تعالى: وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا [الحاقة:16، 17]، وقال جل جلاله: فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدّهَانِ [الرحمن:37]، فتصور وقوفك منفرداً عرياناً حافياً، وقد أدنيت الشمس من رؤوس الخلائق، ولا ظل لأحد إلا ظل عرش رب العالمين، فبينما أنت على تلك الحال، اشتد الكرب، واشتد الوهج من حر الشمس، ثم ازدحمت الأمم، وتدافعت وتضايقت، واختلفت الأقدام، وانقطعت الأعناق من شدة العطش والخوف، وانضاف إلى حر الشمس كثرة الأنفاس وازدحام الأجسام، ولا نوم ولا راحة وفاض عرقهم إلى الأرض حتى استنقع ثم ارتفع إلى الأبدان، على قدر مراتبهم ومنازلهم عند ربهم، بالسعادة والشقاوة.. ثم جيء بجهنم تقاد، ولها سبعون ألف زمام، ومع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها وَجِىء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَـانُ وَأَنَّى لَهُ الذّكْرَى [الفجر:23]، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل، إلا جثا
على ركبته، يقول: يا رب نفسي نفسي
فتصور ذلك الموقف المهيل المفزع، الذي قد ملأ القلوب رعباً وخوفاً، وقلقاً وذعراً، يا له من موقف ومنظر مزعج..
وأنت أخي المسلم
بالتأكيد تكون أحدهم، فتوهم نفسك لكربك، وقد علاك العرق والفزع والناس معك منتظرون لفصل القضاء إلى دار السعادة أو إلى دار الشقاء، تصور هذه الخلائق وهم ينادون، كل واحد بنفسه يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـادِلُ عَن نَّفْسِهَا [النحل:111]، وقال سبحانه: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وَصَـاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ لِكُلّ امْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37].
تصور نفسك وحالتك عندما يتبرأ منك الولد والوالد، والأخ والصاحب، لما في ذلك اليوم من المزعجات والقلاقل، ولولا هول ذلك اليوم، ما كان من الكرم والمروءة، أن تفر من أمك وأبيك، وأخيك وبنيك، لكن عظم الخطر وشدة الكرب، اضطرك إلى ذلك إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَـارَى وَمَا هُم بِسُكَـارَى وَلَـكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1، 2].
فبينما أنت في تلك الحالة، مملوء رعباً، وقد بلغت القلوب الحناجر من شدة الأهوال، إذ ارتفع عنق من النار، يلتقط من أمر بأخذه، فينطوي عليهم، ويلقيهم في النار، فتبتلعهم.
ثم تصور الميزان وعظمته، وقد نصبت لوزن الأعمال، وتصور الكتب المتطايرة في الأيمان والشمائل، وقلبك مملوءً خوفاً، لا تدري أين يقع كتابك في يمينك أو في شمالك فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً [الانشقاق:7-12]، فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَـابيَهْ إِنّى ظَنَنتُ أَنّى مُلَـاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ [الحاقة:19-21]. وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يا
لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنّى مَالِيَهْ هَلَكَ عَنّى سُلْطَـانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ [الحاقة:25-32].
ماذا فعل؟ وما كان جرمه؟ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَـاهُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَـاطِئُونَ [الحاقة:33-37]
فيا لها من مواقف، ويا لها من أهوال.
يتبع باذن الله